هذه الرسالة تفيد بأنك غير مشترك معنا. لتسجيل الرجاء اضغط هنـا
       
 

الرئيسية     ||  المنتديات  ||  الإتصال بنا

 

مفاجأة العيد : (( مسابقة الهدى )) من صاحب الصوت ؟؟ [ عددالزوار : 19 ]           ||          تهنئة بالعيد [ عددالزوار : 3 ]           ||          توافق صلاة العيد يوم الجمعة [ عددالزوار : 613 ]           ||          العيد : يوم الزينة والبسمة [ عددالزوار : 9 ]           ||          :: الـــــعــــيد فــــرحـــــة :: [ عددالزوار : 14 ]           ||          كتاب الطبخ العربى .....** تحميل مباشر **..... [ عددالزوار : 4 ]           ||          Full English Guru [ عددالزوار : 5 ]           ||          برنامج تشغيل جميع صيغ الفيديو على الجوال flv وغيرها [ عددالزوار : 8 ]           ||          قرار تمزيق العرب [ عددالزوار : 4 ]           ||          حكم تغطية المرأة قدميها في الصلاة [ عددالزوار : 51 ]           ||         
 
 

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

العودة   ملتقـــ الصراط ـــــى > الملتقى القرآني > الملتقى التفسيري



رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #11  
قديم 08-02-2010, 15:27
الصورة الرمزية اسامة بن زيد
اسامة بن زيد اسامة بن زيد متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 555
02222255





المتكبر
نواصل رحلتنا في الأسماء الحسنى... أخي القارئ الكريم لا بد للمؤمن من أن يعرف الله، ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى جزء من معرفته، إنه موجود وإنه واحد وإنه كامل، وإني أكرر فأقول: لا بد من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" [صحيح البخاري].
ولكن الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى لا يعرفه إلا الله، هذه حقيقة يجب أن تكون واضحة لنا، لا يعرف الله إلا الله، ونحن إذا أردنا أن نعرفه فشأننا كمن يأخذ مخيطا ويغمسه في مياه البحر ثم لينزعه فلينظر بم يرجع؟ هذا تشبيه ورد في الحديث الشريف قال عليه الصلاة والسلام: "ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط غمس في البحر من مائه" [الطبراني بسند صحيح عن المستورد].
فإذا كانت معرفة الله سبحانه وتعالى بحراً فمعرفة الإنسان لله عز وجل لا تزيد على أن يحمل المخيط فيغمسه في مياه البحر، ولكن كما قال الإمام علي رضي الله عنه: "أخذ القليل خير من ترك الكثير".
وبعد: فهل بالإمكان أن نضرب بعض الأمثلة كي نتعرف إلى الله عز وجل؟ أيجوز أن نضرب أمثلة منتزعة من حياتنا من أجل توضيح بعض الحقائق؟
أجل، يجوز ولله المثل الأعلى، سآتيكم بالدليل، الدليل هو أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعرفنا بذاته فضرب المثل فقال:
}ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْأَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءتَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِلِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{ [الروم: 28].
ربنا سبحانه وتعالى من أجل أن يعرفنا بأنه لا إله إلا الله ولا شريك له ولا أحد يشركه في حكمه ضرب هذا المثل، إذاً يمكن أن أضرب بعض الأمثال لمعرفة أسماء الله الحسنى، والسبب أن الاسم الذي نحن بصدده الآن هو المتكبر، وكلمة المتكبر إذا أطلقت على إنسان تنفر النفس منه، ولكن المتكبر هو الله سبحانه وتعالى.
إنسان بحاجة ماسة إلى مئة ألف ليرة ليجري بها عملية جراحية تحدد مصيره بالحياة، قال الأطباء: لا بد من إجراء هذه العملية ولا بد من هذا المبلغ، وهو لا يملكه، توجه إلى رجل من أقربائه فقال: أمعك هذا المبلغ؟ قال: نعم معي هذا المبلغ وهو كاذب، وتوجه إلى إنسان آخر من أقربائه وسأله السؤال نفسه قال: أمعك هذا المبلغ؟ قال: نعم معي وهو صادق، فالذي قال: نعم معي هذا المبلغ ولا يملكه فهذا الرجل يكون ناقصاً، ويدعي ما ليس عنده، والثاني لو أنه قال لقريبه: لا ليس معي شيء وتواضع يعد ناقصاً، بل يجب أن يقول: معي هذا المبلغ وخذه.
فالتكبر في الله كمال، وفي العبد نقص، لأن الله خالق الأكوان بيده ملكوت كل شيء، كن فيكون، وإليه يرجع الأمر كله، لا نهاية لعظمته، لا نهاية لكماله، لا نهاية لعلمه، لا نهاية لقوته، فإذا تكبر الله سبحانه وتعالى لأنه علم أنه عظيم، وهذا ينقلنا إلى اسم آخر من أسماء الله الحسنى وهو اسم المؤمن يعرف نفسه، إذا كنت تحمل أعلى شهادة في اللغة العربية وجلس إلى جانبك إنسان يحمل الإعدادية، وقرأ نصا على سمعك، فإذا في قراءته أغلاط كثيرة، وأنت مهما كنت متواضعا ألا تعرف أنك في اختصاصك متفوق، وتحمل الدرجة العلمية، وأن هذه القراءة كلها أغلاط؟ بلى تعرف هذا وذاك، ومعرفتك حقيقة مسلم بها.
إذا بادئ ذي بدء إذا قال الجبان: أنا شجاع، فهذه صفة نقص في حقه، وإذا قال البخيل: أنا كريم، فهذا الكلام نقص في حقه، وإذا قال الجاهل: أنا عالم، فهذا نقص في حقه، أما إذا قال العالم: أنا عالم وسأجيبك عن سؤالك رحمة بك فهذا كمال، وإذا قال الشجاع: أنا شجاع، وسأدافع عنك فهذا كمال، وإذا قال الكريم: أنا كريم، وخذ هذا المال فهذا كمال.
فعندما نقول: إن الله متكبر فهو اسم من أسماء الكمال، وعندما تقول: فلان متكبر فالتكبر صفة نقص في الإنسان، هذه الحقيقة الأولى.
المتكبر هو الذي يرى الكل صغيراً بالنسبة لذاته، ولا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه، فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبيد.
الله خالق السموات والأرض، بيده ملكوت كل شيء، إليه يرجع الأمر كله، إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون، فإذا كان الله متكبراً فهو يعرِّف ذاته، وهذا يتصل باسم آخر من أسمائه الحسنى، ألا وهو المؤمن.
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ" [سنن أبي داود].
وفي رواية أخرى: قصمته [الحاكم عن أبي هريرة].
بعض العلماء يقول: "المتكبر من الكبرياء وذو الكبرياء هو الملك". قال تعالى:
}قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَاوَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَابِمُؤْمِنِينَ{[يونس: 78].
فالمتكبر هو الملك الذي لا يزول سلطانه، والعظيم الذي لا يجري في ملكه إلا ما يريد، وهو الله الواحد القهار، هذا معنى من معاني المتكبر.
معنى آخر المتكبر من الكبير والعظيم لقوله تعالى:
}فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّمُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْعَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّوَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَراً إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ{[يوسف: 31].
ومعنى أكبرنه أي: عظمنه، ومعنى قطعن أيديهن كما قال العلماء: جرحن أصابعهن.
الله متكبر أي: كبير ليس لكبريائه نهاية، وهو عظيم ليس لعظمته غاية، هذا المعنى الثاني من معاني المتكبر.
والمعنى الثالث: المتكبر هو الذي تكبر عن ظلم العباد، والمتكبر هو الذي انفرد بالكبرياء والملكوت، وتوحد بالعظمة والجبروت، والمتكبر هو الذي بيده الإحسان ومنه الغفران، والمتكبر الذي ليس لملكه زوال ولا لعظمته انتقال.
وبعد فمن معاني المتكبر، العظيم ذو الكبرياء، وأصل التكبر الامتناع وعدم الانقياد، الله سبحانه وتعالى طليق الإرادة، والمتكبر هو الذي تكبر عن كل نقص، وترفع عن كل نقص وتنزه عن كل ما لا يليق به المتعالي عن صفات خلقه أيضا.
إذا... لا بد من أن نعرف الله لأننا إذا عرفناه أطعناه فقال تعالى:
}إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌغَفُورٌ{[فاطر: 28].
لا يصح عملنا إلا إذا عرفناه، ولا نسعد في الدنيا والآخرة إلا إذا صح عملنا، ثلاث فقرات لا بد من أن نعرفه، فإذا عرفناه أطعناه، وإذا أطعناه سعدنا بقربه في الدنيا والآخرة.
إذا... المتكبر المتعالي عن صفات خلقه كامل في ذاته، كامل في صفاته، كامل في أفعاله. النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
"وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ" [صحيح مسلم].
ورد في الآثر القدسي:
"أحب ثلاثا وحبي لثلاث أشد، أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد، وأحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد، وأحب الكرماء وحبي للفقير الكريم أشد وأبغض ثلاث وبغضي لثلاث أشد، أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد، وأبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد، وأبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد".
وهل تصدق أيها القارئ الكريم أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
"لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ". [صحيح مسلم]
لماذا؟ قال: لأن الكبر يتناقض مع العبودية لله عز وجل، أنت عبد وهو رب، فإذا نازعته رداءه وإزاره قصمك كما ورد في الحديث الشريف الذي مر ذكره.
في الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام:
"مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً رَفَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي عِلِّيِّينَ وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ دَرَجَةً وَضَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ" [سنن ابن ماجه].
النبي عليه الصلاة والسلام حينما دخل مكة دخلها مطأطئ الرأس حتى كادت عمامته تلامس عنق بعيره تواضعا لله عز وجل.
قال عبد الله بن أبي بكر –كما يروي ابن إسحق-: "وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من فتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل".
ودخل عليه مرة رجل فأخذته رعدة فقال:
"هون عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد".
تكبره وكبرياؤه ورفعته وعلاه ومجده وثناؤه وعلوه وبهاؤه كل ذلك إخبار عن استحقاقه لنعوت الجلال وتنزهه عن النقائص والآفات.
قال أحد العارفين بالله في المناجاة: يا رب بماذا أتقرب إليك، فوقع في قلبه أن يا عبدي تقرب إلي بما ليس في، فقال: يا رب وما الذي ليس فيك، قال: الذل والافتقار وهو من أقرب الأبواب إلى الله عز وجل ومن أنجحها أن تأتيه طائعاً.
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحبنـا
ولذ بحمانا واحتم بجنابنا لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغل وأخلص لنا تلقى المسرة والهنا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكون فما القرب والإبعاد إلا بأمرنـا
كن مع الله تر الله معك واترك الكل وحاذر طمعـــك
ثم ضع نفسك بالذل لـه قبل أن النفس قهرا تضـعك
كيفما شاء فكن في يده لك إن فرق أو إن جمعك
في الورى إن شاء خفضا ذقته وإذا شاء عليهم رفعك
وإذا ضرك لا نافع من دونه والضر لا إن نفعك
وإذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعك
ليس يوقيك أذاه أحد وإن استنصرت فيه شيعك
إنما أنت له عبد فكن جاعلا في القرب منه ولعك
فز بوصل إن تراه واصلا واقبل القطع إذا ما قطعك
كلما نابك أمر ثق به واحترز للغير تشكو وجعك
لا تؤمل من سواه أملا إنما يسقيك من قد زرعك
ليت لو تشعر ماذا كنت من قبل ما مولى الموالي اخترعك
كنت لا شيء وأصبحت به خير شيء بشرا قد طبعك
تابعا كن دائما أنت ولا تتمنى أنه لو تبعك
ودع التدبير في الأمر له واصنع المعروف مع من صنعك
واحتفظ حرمة من يبصر إن رمت فعلا أو تنادي سمعك
مطرف بن عبد الله قال: لأن أبيت نائما وأصبح نادماً أحب إلي من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً، وفي الحديث الذي رواه البزار بسند جيد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه العجب".
طبعا لا يعرف اسم المتكبر إلا من جال فكره في الكون، يقول بعض العلماء: "إن في الكون من المجرات ما يزيد على مليون مليون مجرة، وفي كل مجرة ما يزيد عن مليون مليون نجم، وإن بين الأرض والقمر ثانية ضوئية واحدة، والضوء يقطع في الثانية ثلاثمئة ألف كيلو متر، وبين الأرض والشمس ثماني دقائق، وبين الأرض وأقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية"، فإذا أردنا أن نقطع هذه المسافة بسيارة لاحتجنا إلى ما يقرب من خمسين مليون عام، ذلك إذا ركب الإنسان مركبة واتجه نحو أقرب نجم ملتهب في الكون من الأرض، يحتاج إلى ما يقارب خمسين مليون عام، فما قولكم بنجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية؟ تضرب بألف، أي: خمسين مليون ضرب ألف أي: خمسين ألف مليون عام لنجم القطب، أربعة آلاف سنة ضوئية، فما قولكم بالمجرة المسلسلة تلك المجرة الصغيرة التي تبعد عنا مليوني سنة ضوئية، فما قولكم بأحدث مجرة اكتشفت تبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية؟ قال تعالى:
}فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ{[الواقعة: 75-76].
يقول الإنسان: أنا، من أنت؟ تأمل في هذه المسافات، هذه المجرة كانت في هذا المكان قبل عشرين مليار سنة ضوئية وهي الآن لا يعلم مكانها إلا الله.
ذكرت من قبل في دراسة بعض الأسماء الحسنى: أن بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر، وأن الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، وأن في برج العقرب نجماً صغيراً أحمر اللون متألقاً اسمه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، إذا الله المتكبر، فخلقه مظهر لكبريائه.
لقد ذكرت وأكرر أن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، لا تدركه الأبصار، ولكن الكون بين أيدينا وهو يجسد ويظهر عظمة الله عز وجل قال تعالى:
}سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَلَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍشَهِيدٌ{[فصلت: 53].
من منا يصدق أن في اللقاء الزوجي الواحد يوجد ثلاثمئة مليون حوين تنطلق من الرجل، وعلى كل حوين ملايين المعلومات المبرمجة، وهذه المورثات لا ترى إلا بالمجهر، خلايا الدماغ مئة وأربعون مليار خلية سمراء اللون لم تعرف وظيفتها بعد، في الشبكية مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط من أجل تحقيق الرؤية الدقيقة، في العصب البصري تسعمئة ألف عصب.
من منا يصدق أن الإنسان إذا ذهب إلى شمال الأرض إلى القطب المتجمد الشمالي حيث الحرارة سبعون تحت الصفر بإمكانه أن يرتدي معطفاً يلف به جسمه جيداً ليقيه قسوة البرد هناك، ويستعين بكل ما يقيه البرد، وأن يضع الأشياء التي تقيه البرد، لكن ليس بإمكانه أن يغطي عينيه؟ فإذا لامس الهواء الخارجي ماء العين فلن يتجمد البتة، فمن وضع في ماء العين مادة مضادة للتجمد؟ هو المتكبر لم ينسَ هذه، إذا عاش الإنسان هناك بلا هذه المادة يفقد بصره فورا، هو المتكبر، المنزه عن النقائص فعلا وصفة، تفكر في خلق الله قال تعالى:
}إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِلآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْوَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَهَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{[آل عمران: 190-191].
من منا يصدق أن في دماغ الإنسان جهازا بالغ التعقيد يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين، يصل الصوت إلى الأذن اليمنى إذا كان الصوت من جهة اليمين قبل الأذن اليسرى بواحد على ألف وستمئة وخمسة وعشرين جزءاً من الثانية، وهذا الجهاز في الدماغ يحسب هذا التفاضل ويعرف الإنسان عندئذ جهة الصوت، ولولا هذا الجهاز لما عرفت جهة الصوت أبدا، حقا هو المتكبر.
أسماء الله عز وجل نعرفها من خلال الكون، من خلال هذه الآيات الدالة على عظمته، كل منا عنده مستودع للوقود السائل، فسعة المتر المكعب خمسة براميل من منا يصدق أن القلب يضخ في اليوم الواحد ثمانية أمتار مكعبة؟، وأن قلب الإنسان الذي يعيش في عمر متوسط يضخ ما يملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم؟!..
أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
من منا يصدق أن في الكبد وظائف تزيد على خمسة آلاف وظيفة؟! وأن الإنسان دون كبد يعيش ثلاث ساعات فقط؟!.. إذا أردت أن أمضي في الحديث عن معجزات الله عز وجل وعن إعجاز الله في خلقه فالأمر لا ينتهي، لكن الله تعالى لخص هذا كله حيث قال:
}وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ{[الذاريات: 21].
جسمك –عزيزي القارئ- جهاز إيضاح، أعضاء جسمك على اختلافها أعظم وسيلة إيضاح مستمرة، لو أمضيت في حياتك الدنيا كلها تفكر في عظمة خلق الإنسان لما عرفت الله عز وجل حق المعرفة، ولكن الله سبحانه أحالك لتعرف عنه بعض المعرفة إلى ذاتك فقال: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون).
هذا الذي يتكبر وهو من بني البشر كم هو ظالم لنفسه؟ الله سبحانه وتعالى تلطف بنا قبل أسابيع حينما جاءت هزة أرضية خفيفة جداً، لو أنها كانت أشد لكانت أخبارنا في الآفاق، مثلا: ثمانون ألف قتيل سبعون ألف جريح تحت الأنقاض، أبنية متهدمة، لكنها كانت خفيفة حسب مقياس ريختر دون خمس درجات، ولو كانت خمس درجات حسب مقياس ريختر لكنا غير موجودين في هذا المجلس، فعلى أي شيء نتكبر، نحن نحيا ونعيش بلطف الله عز وجل، مدن رائعة، مدن جميلة جدا أصبحت أثراً بعد عين في ثوانٍ فعلام الكبر؟
حينما انحبست أمطار السماء، وأصبحت كأس الماء عزيزا، وهُدِّدْنا بكأس الماء أن نفقدها، فهل في الأرض كلها جهة تستطيع أن تتخذ قراراً بإنزال الأمطار؟ لكن الله سبحانه وتعالى تلطف بنا وأكرمنا وأرانا من آياته هو المتكبر من نحن؟ هذه المركبة التي سموها شلنجر" المتحدي اسمها فيه سوء أدب مع الله عز وجل، فيها سبعة رواد فضاء معهم رائدة فضاء أيضا لتنجب ولدا في الفضاء، الخطة كانت تقضي أن تحمل هذه المرأة من أحد هؤلاء الرجال، وأن تنجب مولودا في الفضاء، ما هي إلا سبعون ثانية بعد إطلاقها حتى أصبحت كرة من اللهب، علام الكبر؟ من أنت؟ أنت كن فيكون زل فيزول لا شيء، لذلك:
مالي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك ربي أضرع
مالي سوى قرعي لبابك حيلة فلئن رددت فأي باب أقــرع
أنت في أعلى درجات العبودية مفتقر إلى الله عز وجل، وأنت في أوج قوتك وأوج صحتك وأوج علمك يجب أن تكون مفتقرا إلى الله سبحانه وتعالى، إذا أقدمت على عمل فقل: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك، ياذا القوة المتين.
فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا غزا قال: "اللهم أنت عضدي وأنت نصيري بك أحول وبك أصول وبك أقاتل" [رواه أحمد، وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه].
من منا يصدق (أذكر هذه الأمثلة لأوقظ بعض الناس من غفلتهم وشرودهم فإنه لا يصح للإنسان أن يتكبر فإذا تكبر فهو أحمق) أن نقطة من الدم لو تجمدت في بعض شرايين المخ في مكان يصاب بالشلل، كان معززاً مكرماً، خفيفاً ظله على الآخرين، وفجأة أصبح جسدا ملقى على السرير، واهنا خائرا، فأقرب الناس إليه يتمنى موته، على ماذا الكبر؟ هذه النقطة لو تجمدت في مكان آخر لفقد الإنسان ذاكرته.
حدثني أخ كريم توفي والده، وقبل وفاته فقد ذاكرته، خرج من معمله وبيته في حي المهاجرين، وبقي يبحث عن بيته نصف ساعة لم يعرف بيته، من أنت بلا ذاكرة؟ إذا فقدت ذاكرتك فأنت ذرة هباء في الهواء.
دخل ابن على أبيه وهو صيدلي قال: من أنت؟ قال: أنا ابنك يا أبت، قال: لا أعرفك، إذا نقطة ما في مكان بالدماغ أفقدته ذاكرته، وإذا وقعت بمكان غيره أصبح لا يبصر، كل ما في الدنيا من جمال توارى واختفى، فلا ألوان، ولا جبال خضراء، ولا بحار زرقاء، ولا طفل الجميل، لقد توارى وراء ظلمة عينيه كل الجمال.
سمعت أن أحد الأدباء كان كفيف البصر، وكان يقضي الصيف في النمسا في أجمل مكان، أنا أقول: والله لو قضى الصيف في الصعيد في غرفة مكيفة فهو كما كان بالنمسا تماما، لأنه لا يرى شيئاً.
فالإنسان إذا غض بصره عن محارم الله، وإذا باتت هذه العين خاشعة لله، فأغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى لا يفجعه بها.
أحد علماء دمشق الكبار علّم ثلاثة أجيال، كان إذا رأى أحداً في الطريق يقول له: يا بني كنت أنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي وكان جدك تلميذي، بدأ بالتعليم في السنة الثامنة عشرة من عمره وتوفي في الثامنة والتسعين، وكان مستقيم القامة حاد البصر مرهف السمع وأكرمه الله بأن زوجته عاشت مثله، كان يقال له: يا سيدي! ما هذه الصحة؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً، ألا تحب أن يكون خريف عمرك زاهياً جداً؟ إذا أردت أن تكون كريما على الله فاتقِ الله، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك.
انظر إلى معامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام هناك مرض خطير اسمه فقر الدم اللامصنع، هذه الخلايا هذه المعامل في نقي العظام تصنع في كل ثانية مليونين ونصف المليون كرية دم حمراء، أحيانا تتوقف عن العمل بلا سبب وهذا المرض اسمه فقر الدم اللامصنع لماذا الكبر؟ أنت مليون خطر يهددك، ماذا تفعل؟
أعرف إنساناً كان من أولي اليسار وله مكانة مرموقة في البلد فقد بصره فدخل عليه أحد أصدقائه فقال له: والله يا فلان أتمنى ألا أحمل هذه الدكتوراه، وألا أكون في هذا المنصب، وألا أكون في هذه البحبوحة، وأن أقبع على الرصيف أتكفف الناس، وأن يرد الله إلي بصري، هذه نعمة يجب أن نحفظها بطاعة الله عز وجل.
من أين يأتي هذا الورم؟ الإنسان بكامل صحته فجأة تضطرب الخلايا في نموها فتكون القاضية!! هاتان الكليتان أحيانا تتوقفان فجأة عن العمل، مرض اسمه هبوط مفاجئ في وظائف الكليتين، إذن هليخ أن يغسل كليتيه في المستشفى مرتين مل أسبوع، وهذا أمر لا يحتمل... إذاً علام التكبر؟ هل تملك كليتيك؟ هل تملك قلبك؟ هل تملك دسامات القلب؟ هل تملك الشريان التاجي المغذي للقلب؟ هل تملك أن تبقى الأوعية في الدماغ واسعة لا تضيق؟ هل تملك أعصاب الحس ألا تتلف وألا تلتهب؟ هل تملك ألا تتكلس مفاصل الإنسان فيصبح قطعة واحدة؟
هناك أمراض كثيرة جدا فعلام التكبر؟ هل تملك هذا اللسان؟ وأنت نائم يزداد لعابك في فمك فيذهب تنبيه إلى الدماغ بأن كمية اللعاب في الفم قد ازدادت يجب تفريغها، فيأمر الدماغ لسان المزمار فيفتح الطريق إلى المري فيسقط اللعاب في المريء وأنت نائم، كذلك وأنت نائم يقلبك الله ثمانيا وثلاثين مرة وأنت لا تدري ذات اليمين وذات الشمال لكي لا تقع عن السرير هذه نعم الله عز وجل، تأمل فيها فتحب الله عز وجل وتبادر إلى طاعته، لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت.
فهذا ثقب بوتال في القلب لو لم يغلق ماذا نفعل؟ يحتاج الابن عند ولادته لمبلغ ضخم أجرة عمل جراحيمن أجل إغلاق هذه الفتحة، إنها فتحة بين الأذينين، هكذا قال لي بعض الأطباء، فتأتي جلطة تغلقها، يد مَنْ داخل القلب؟ يد مَنْ جاءت وأغلقت هذه الفتحة المعروفة بـ"ثقب بوتاللو بقيت مفتوحة لبقي الطفل أزرق اللون، لأن الدم ينتقل من أذين إلى أذين ولا يتصفى عن طريق الرئتين.
الإنسان يأتيه مولود كامل الخلق فيقول: يا رب لك الحمد، أما لو كانت فيه زرقة لاحتاج إلى عمل جراحي يكلف مبلغا كبيرا، فماذا نفعل؟ علام الكبر؟
الله عز وجل قادر أن يجعلك تبيع بيتك ومتجرك من أجل عملية جراحية واحدة، علام الكبر؟
أنا أؤكد على موضوع الكبر فهو في حق الله كمال، وفي حق العبيد نقصان.
أعرف صديقاً لي توفي بمرض اسمه نقص في الصفيحات الدموية، الإنسان من دون صفيحات دموية ينزف دمه كله من ثقب إبرة، يوجد في الدم هرمون للتجلط وهرمون للتميع، ونتيجة توازن هرمون التميع والتجلط يبقى هذا الدم بهذا الشكل المائع السائل، لو زادت نسبة هرمون عن الهرمون الآخر لأصبح الدم وحلاً في الأوعية ولو زاد الثاني لأصبح الدم مائعا، من الذي نظم؟ وأنت نائم ومرتاح، ربنا عز وجل لم يوكل الأمر إليك بل أراحك منه.
فكرت بعملية التنفس، فلو أن الإنسان يكلف بالتنفس، لما استطاع أن ينام فيلغى النوم كليا.
تكلمت مع أخ طبيب فقال لي: هذا مرض يقع أحيانا، بسبب تعطل مركز التنبيه النوبي في البصلة السيسائية، وله دواء الآن راقٍ جدا ومرتفع الثمن كثيرا، يجب أن يأخذ كل ساعة قرصا من هذا الدواء على مدى ساعات الليل، فيضع المنبهات لتوقظه، ويستيقظ بواسطة كل ساعة ليأخذ قرص الدواء، ثم يعود إلى النوم، أهذه حياة؟ إذا عملية التنفس جارية وأنت لا تدري، فنم وارتح، التنفس بيد الله وكذلك القلب والرئتان والحركات، فالحديث عن إعجاز خلق الإنسان يطول، فكلما ازداد الإنسان علماً ازداد تواضعاً، والدليل قول الله عز وجل: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فالعلماء وحدهم ولا أحد سواهم يخشى الله عز وجل، فكن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً، ولا تكن الخامسة فتهلك.
يقول الإمام الغزالي: "العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً"، فما من قيمة اعتمدها الله عز وجل بين خلقه إلا قيمة العلم، هناك مجموعة قيم يتفاضل بها الناس فيما بينهم المال والصحة والوسامة والقوة والذكاء، أما قيمة العلم فقد اعتمدها الله عز وجل في القرآن فجعلها قيمة وحيدة للترجيح بين خلقه فقال:
}أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَوَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَوَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ{[الزمر: 9].
فتبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتا، إن الرجلين ليستوي عملهما وبرهما وصومها وصلاتهما، ويختلفان في العقل كالذرة جنب أحد، وما قسم الله لعباده نصيباً أوفر من العقل واليقين.
لذلك "ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يابن آدم أنا فجر جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة"
وصالح المري روى عن الحسن أنه وصف الإنسان بأنه بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
فالمتكبر هو الله وهي صفة كمال فيه، أما التكبر عند الإنسان فهي صفة غباء وجهل ونقص فيه فالحذر، الحذر، ورحم الله امرأ عرف حده فوقف عنده.
__________________
رد مع اقتباس
 
  #12  
قديم 10-02-2010, 16:48
الصورة الرمزية اسامة بن زيد
اسامة بن زيد اسامة بن زيد متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 555
02222255




الغفار
رحلتنا مع أسماء الله الحسنى طويلة فلا بد من أن نقيل، وفي يستاننا دوحة وارفة نقيل تحتها اسم "الغفور" ولقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في صيغ ثلاث: الصيغة الأولى ورد على صيغة غافر قال تعالى:
}غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَاإِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ{[غافر: 3].
وورد أيضا على صيغة ثانية وهي الغفور، قال تعالى:
}وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوالَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِمَوْئِلاً{[الكهف: 58].
وقال تعالى: }وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ{[البروج: 14].
وقال تعالى:
}نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{[الحجر: 49].
وقال تعالى:
}قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنرَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَالْغَفُورُ الرَّحِيمُ{[الزمر: 53].
إلى آخر الآيات التي ورد فيها هذا الاسم على صيغة غفور.
الصيغة الثالثة وردت غفار على وزن فعال قال تعالى:
}وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى{ [طه: 82].
وقال تعالى:
}فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً،يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَللَّكُمْ أَنْهَاراً{[نوح: 10-12].
إذا غافر وغفور وغفار وردت هذه الأسماء كلها في القرآن الكريم، وهذه الأسماء كلها مشتقة من مصدر واحد وهو المغفرة.
قال بعض العلماء: "الإنسان إذا عصى الله عز وجل وصف في القرآن بأنه ظالم وبأنه ظلوم، وبأنه ظلام" قال تعالى:
}ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَافَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌبِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ{[فاطر: 32].
وقال تعالى:
}إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِفَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُإِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً{[الأحزاب: 72].
وقال تعالى:
}قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{[الزمر: 39].
فالمسرف ظلاَّم على صيغة المبالغة.
فإذا كان العبد ظالما فالله غافر، وإذا كان ظلوما فالله غفور، وإذا كان ظلاما فالله سبحانه وتعالى غفار، بأية صفة أتى بها العبد المعصية فهناك اسم لله عز وجل يقابل هذه المعصية.
النقطة الدقيقة في هذا الاسم أن صفات الإنسان متناهية، معنى متناهية: أن الإنسان إذا فعل ذنبا فذنبه له حجم، وقع في معصية، ومعصيته لها حجم أيضا، فمهما تكن المعاصي والذنوب فإنها متناهية تنتهي عند حد، لكن مغفرة الله عز وجل ليست متناهية لا حدود لها، وغير المتناهي يغلب المتناهي، إذا، لا يقنط من رحمة الله عز وجل إلا الكفور، لا يقنط من رحمة الله عز وجل إلا الجهول، لا يقنط من رحمة الله عز وجل إلا الجحود.
إذا كان ذنبك متناهياً ومغفرة الله عز وجل ليست متناهية، فمن الغباء والحمق والجهل والجحود وقلة العلم أن تيأس من رحمة الله، لذلك، فاليائس كافر، اليائس جاهل، اليائس جاحد.
هناك شيء آخر بالنسبة لهذا الاسم أن الآيات التي وردت في هذا الاسم وردت مرة بصيغة الماضي، قال تعالى:
}قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراًمِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواوَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَافَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ{[ص: 24-25].
ووردت أيضا بصيغة الفعل المضارع قال تعالى:
}إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنيَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً{[النساء: 48].
}وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوااللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُوَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ{[آل عمران: 135].
ووردت بصيغة الأمر، قال تعالى:
}رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوابِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّاسَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ{[آل عمران: 193].
ووردت بصيغة المصدر قال تعالى:
}آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّآمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَأَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَاوَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ{[البقرة: 285].
}وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنقَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ{[الرعد: 6].
أي يغفر لك ما مضى، ويغفر لك الآن، ويغفر لك في المستقبل، وهو ذو مغفرة، بأي زمن كنت هو غفار، لأي ذنب فعلت هو غفار، إن كان الإنسان ظالما فالله غافر، وإن كان ظلوما فالله غفور، وإن كان ظلاما فالله عز وجل غفار وإن فعل الذنب في الماضي غفر الله له، وإن فعله الآن يغفر الله له، وما سيفعل من ذنب في المستقبل فإن الله عز وجل يغفر بعد الانكسار والدعاء، بأي شكل وبأي زمن فإن الله سبحانه وتعالى غفور رحيم.
أسوق هذا الكلام ليعلم الأخ المؤمن أنه لا يقنط من رحمة الله عز وجل إلا اليائس، إلا الجاهل، إلا الجاحد إلا الكافر.
ولكن عزيزي القارئ: إذا توهم أحد أن غافراً اسم فاعل، وأما غفور صيغة مبالغة لاسم الفاعل، وأما غفار صيغة مبالغة المبالغة لاسم الفاعل، (والحقيقة التي أتمنى أن تكون واضحة لدى القراء الكرام هي أن أسماء الله عز وجل لا تتفاوت أبدا) .
إذاً كيف جاء هذا الاسم على هذه الصيغ؟ فالسؤال وجيه.
إذا تناول إنسان الطعام يقال له في اللغة: آكل، إذا جلس إلى الطعام فأكل خمسة أرغفة يقال: له أكول على وزن فعول، يقال له: أكول إذا تناول كمية كبيرة، إذا تناول وجبة خفيفة، ولكن أكل في اليوم خمس مرات يقال له: أكول، إذا صيغة المبالغة ماذا تفيد؟ تفيد النوع وتفيد العدد، الحقيقة الأولى أن أسماء الله عز وجل لا تتفاوت، كلها في مستوى واحد.
الإنسان كان في مستوى وارتقى إلى مستوى أعلى، ثم ارتقى إلى مستوى أعلى، كان ظالماً، ثم فعل ظلماً أشد فأصبح ظلوماً، فعل ظلما أشد وأشد صار ظلاماً، أما هذا المعنى لا يليق بكمال الله عز وجل أبدا، لو أن فلاناً ارتكب سيئة غفرها الله له فهو غافر، فلان الآخر غفر الله له، فلان الثالث غفر الله له، فلان العاشر غفر الله له، والعباد كلهم لو أذنبوا غفر الله لهم، جاءت صيغة غفار لا من حيث النوع، ولكن من حيث العدد، لو قلت: فلان ليس أكولا، إذا نفيت عنه أنه أكول، فهل نفيت عنه أنه يأكل؟ لا، إذا قلت: وما ربك بظلام للعبيد، قد يقول قائل معلوماته محدودة وأفقه ضيق: الله ينفي عن نفسه مبالغة الظلم، ولا ينفي عن نفسه الظلم، فإذا قلت عن إنسان: ليس أكولاً فليس معنى هذا أنه ليس آكلاً، قال العلماء: هذا لا يليق بكمال الله عز وجل لأن صيغة المبالغة بأسماء الله لا تعني الكم، بل تعني العدد، فكل عباده لو أنهم أذنبوا فالله عز وجل غفور، فصيغة فعول تعني المبالغة لا في النوع لكن في العدد، والدليل قوله تعالى:
}مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَبِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ{[فصلت: 46]
الظلام في حق الله تعني أنه لا يظلم، فجميع عباده ينعمون بعدالته.
شيء آخر: المغفرة في اشتقاقها اللغوي تعني الستر، المغفر: زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة ولكن ربنا عز وجل كما يتضح للقارئ الكريم ذكر بعض المعاصي، فقال مثلاً عن سيدنا موسى:
}قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَالْغَفُورُ الرَّحِيمُ{[القصص: 16].
وقال مخاطبا سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام:
}لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّنِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً{[الفتح: 2].
فلا يستقيم معنى المغفرة –هنا- بمعنى الستر، لكن يستقيم بمعنى الصفح والعفو، والعفو والصفح يلغيان الشيء بمعنى واحد، فالمعنى الأول للمغفرة: الصفح والعفو، أي: عدم إيقاع العقوبة، أي أن الله عز وجل غفور يمكن أن يعفو عنك فلا يوقع عليك العقاب.
المشكلة الأساسية هو أننا إذا قرأنا القرآن قد نقرأ بعضه وننسى بعضه الآخر، قال تعالى:
}قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنرَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَالْغَفُورُ الرَّحِيمُ{[الزمر: 53].
يجب أن لا تقف عند هذا الحد في الآية، بل تتابع ما بعدها قال تعالى:
}وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُالْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ{[الزمر: 54].
أي: غفور لمن أقبل، غفور لمن تاب، غفور لمن رجع، غفور لمن أناب، غفور لمن أصلح، غفور لمن استغفر، أما أن يقيم الإنسان على معصية، وينوي أن يبقى عليها، ويقول: الله غفور رحيم فإن هذا من السذاجة والجهل وعدم الفهم:
}نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ{[الحجر: 49-50].
أي: إما أن تأتيه طائعا، وإما أن يدفعك إلى أن تأتيه، ربنا عز وجل قال في بعض الآيات: (ثم تاب عليهم ليتوبوا) وفي بعضها }فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه{[المائدة: 39]ما معنى توبة الرب إذا سبقت توبة العبد؟ وما معنى توبة الرب إذا تأخرت عن توبة العبد؟
قال بعض العلماء: "إذا سبقت توبة الرب توبة العبد أي: إن الله عز وجل ساق له من الشدائد والمحن والمصائب ما دفعه إلى التوبة، فما أكثر التائبين على أثر مصيبة نزلت بهم"، الله عز وجل تاب على العبد قبل أن يتوب، أي: ساق إليه الشدائد والمحن والبلايا بحيث يحمله على التوبة، وإذا قال الله عز وجل:
}ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً،وَبَنِينَ شُهُوداً، وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً{[المدثر: 12-14].
فحيثما جاءت كلمة ذرني يعني يا محمد إن لم يستجب فلان لك دعه لي، فأنا أسوق له من الشدائد ما أحمله على التوبة، وهذه آيات دقيقة جدا، فالله عز وجل من رحمته أن يسوق لك إنساناً لطيفاً يقدم لك نصيحة هادئة رقيقة بينك وبينه، يدعمها بالآيات والأحاديث والقصص فأنت إما أن تستجيب وإما ألا تستجيب، فإن لم تستجب فالله سبحانه وتعالى عنده من الوسائل والأساليب والأدوية والطرائق والمضايقات والشدائد ما يدفعك إلى بابه دفعا، فأيهما أرقى لك أن تأتيه طائعا أو أن تأتيه بعد العصا، هذا ما فسره النبي عليه الصلاة السلام:
جبت لأقوام يساقون إلى الجنة في السلاسل وهم كارهون" [الطبراني عن أبي أمامة وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة وسنده حسن].
عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل، "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن أبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" [رواه البخاري].
فأنت أخوف ما يجب أن تخاف منه، أن تدعى إلى الله عز وجل دعوة هادئة لطيفة فيها ستر بينك وبين أخ كريم ينصحك بغض البصر، بتحرير الدخل، بترك الظلم، بترك العدوان، ثم لا تستجيب له فإنك إن لم تستجب فالله سبحانه وتعالى كفيل أن يسوق للإنسان من الشدائد ما يحمله على التوبة، هذا معنى التوبة إذا سبقت توبة الرب توبة العبد (تاب عليهم ليتوبوا)، أما إذا جاءت توبة الرب بعد توبة العبد فهي قبول التوبة }فَمَنتَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ{[المائدة: 39]أي: يقَبِلَ توبتهم.
إن الإنسان إذا قرأ عن المغفرة فإنه يجد الله واسع المغفرة، فقد صح عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ ... يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ". [صحيح مسلم].
معنى هذا الحديث القدسي أن الإنسان إذا عاد إلى الله طواعية ضَمِنَ حفظ الله له وتأييده وإكرامه، فإذا أبى ولم يستجب عندئذ سيأتيه العذاب من حيث لا يشعر لذلك ربنا عز وجل يقول:
}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَادَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِوَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ{[الأنفال: 24].
}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِيسَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِالدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِإِلاَّ قَلِيلٌ،إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماًغَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{[التوبة: 38-39].
إن لم تأته طائعا دفعك إلى بابه دفعاً.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نزل جبرئيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أحسن صورة لم ينزل في مثلها قط ضاحكا مستبشرا فقال: السلام عليك يا محمد قال: وعليك السلام يا جبريل قال: إن الله بعثني إليك بهدية كنوز العرش أكرمك الله بهن قال: وما تلك الهدية يا جبريل فقال جبريل: قل يا من أظهر الجميل! وستر القبيح! يا من لا يؤاخذ بالجريرة! ولا يهتك الستر! يا عظيم العفو! يا حسن التجاوز! يا واسع المغفرة! يا باسط اليدين بالرحمة! يا صاحب كل نجوى! ويا منتهى كل شكوى! يا كريم الصفح! يا عظيم المن! يا مبتدئ النعم قبل استحقاقها! يا ربنا! ويا سيدنا! ويا مولانا! ويا غاية رغبتنا! أسألك يا الله أن لا تشوي خلقي بالنار.
دققوا في هذا الدعاء: يا من أظهر الجميل، وستر القبيح، أي قبيح هذا؟ خواطرك، تأتيك خواطر لا يعلمها إلا الله خاطر قبيح جدا خاطر معصية، قد يأتي في بالك خاطر لا يرضي الله عز وجل، لكن ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى جميل الستر كل خواطرك محجوبة عن الخلق، لك أن تفكر بما تشاء ولك أن يخطر على بالك ما تريد وأنت عند الناس في أعلى مكانة، لذلك قال عبد الله بن محمد القحطاني في نونيته:
والله لو علموا قبيح سريرتي لأبى السلام علي من يلقاني
ولأعرضوا عني وملوا صحبتي ولبؤت بعد كرامة بهوان
لكن سترت معايبي ومثالبي وحلمت عن سقطي وعن طغياني
فلك المحامد والمدائح كلها بخواطري وجوارحي ولساني
شريكان، لو اطلع الأول على ما يدور في خلد الثاني لفك معه الشركة، لو اطلع الزوج على ما يدور في بال زوجته لطلقها، ولو اطلعت الزوجة على ما في ذهن زوجها لتركته، لو اطلع الأب على مايدور في بال ابنه عند تفكيره بموت أبيه لكرهه، يقول الابن لأبيه أحيانا: أعطني يدك لتقبيلها وفي باله خاطر آخر، لو اطلع الأب على ما يجول في خاطر ابنه لكرهه وطرده. فالله عز وجل يستر جميل الستر هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما دعا ربه قال: يا من أظهر الجميل وستر القبيح.
أي أنت في حصن حصين، فكل خواطرك الداخلية وكل المشاعر وكل الأفكار وكل الطموحات، هذه كلها مستورة، فهذا من معنى المغفرة أي: ستر عن الناس العيوب الفكرية.
وهناك شيء آخر: فالإنسان دون جلد قبيح جداً، ولو رأيت إنساناً على مستوى العضلات فقط لرأيته مخيفا، إنها عضلات متداخل بعضها مع بعض، لو رأيت عضلات الوجه وحدها لوليت من الإنسان فراراً، عشرات العضلات المتداخلة والمستقيمة والمائلة لكن يأتي هذا الجلد فيجعل الوجه جميلاً، فربنا عز وجل ستر العضلات بالجلد، وهناك فتحات بالجسم كلها مستورة وما تراه هو المنظر الأنيق الجميل هذا من معنى: يا من أظهر الجميل وستر القبيح، الوجه الجميل، والسوءة القبيحة.
والمعنى الثالث: أن المؤمن في الجنة يستر الله عنه ذنوبه، فلو أن المؤمن اطلع على جاهليته لاحترق، وهذا شيء فوق طاقة البشر لأنه مع الكمال المطلق، لو أن مؤمناً تاب إلى الله توبة نصوحاً وغفر الله له، فإذا تذكر ما فعل في الجاهلية قضم أنامله على تفريطه، فمن رحمة الله بالمؤمن أنه يستر عنه عيوبه، وهذا ما فسره بعض العلماء في سر فناء الجسد، إن هذه الصور في الذاكرة فإذا فني الجسد بقيت النفس، النفس طاهرة مقبلة مطهرة معطرة مرتبطة بالكمال الإلهي، أحد المؤمنين له جاهلية وتاب، إذا تذكر جاهليته، وكيف كان وفي أي مستوى كان وفي أي منطق وفي أية مخالفات وفي أية معاصٍ يحترق، يحرقه كماله، هذا في الدنيا.
قالوا: لا بد للمؤمن من ذلة أو قلة أو علة، فما الذلة؟ هذه ذلة الجاهلية التي كانت قبل أن يتوب إلى الله عز وجل، لو أن الإنسان إذا تاب من معصيته وشفيت نفسه منها إذا تذكرها فإنها تحرقه أسفا لتفريطة في الدنيا، فمن رحمة الله بالمؤمنين أنه في الجنة يستر الله عنه ذنوبه كلها، أبدا لا يرى شيئاً. ربنا عز وجل في سورة غافر قال:
}غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَاإِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ{[غافر: 3].
قال بعض المفسرين: "غافر الذنب إكراما، وقابل التوب إنعاما، وشديد العقاب بالكافرين، وذي الطول أي: ذي العطاء الكبير للسابقين والمقربين".
في الآية تجد ثلاثة أسماء من أسماء الله الحسنى للمؤمنين واسما واحد للكافرين، فربنا عز وجل غافر الذنب، وقابل التوب، ذي الطول شديد العقاب، فقال: غافر الذنب لمن ظلم نفسه، وقابل التوب للمقتصد، وذي الطول للسابق، فبعض المؤمنين مقصرون مخالفون، بعضهم مستقيمون، بعضهم متفوقون، فربنا عز وجل للمقصرين غافر الذنب وللمقتصدين قابل التوب وللسابقين ذي الطول، وللكافرين شديد العقاب، لماذا كانت صفة واحدة من صفات الله عز وجل للكافرين لأن الكفر ملة واحدة فماذا بعد الحق إلا الضلال، الكفر واحد، أما الإيمان فمراتب.
عندنا بعض التفسيرات اللطيفة لقوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) الله عز وجل لم يقل قل يا عبادي الذين فسقوا، قل يا عبادي الذين زنوا، قل يا عبادي الذين شربوا الخمر، قل يا عبادي الذين قتلوا، بل قال: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) فيها تلطف فيها ستر لحالهم، تذوق الكلمات القرآنية (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم).
الشيء الثاني في الآية كلمة (قل يا عبادي) ففيها لفتة بلاغية جميلة موحية جدا، أي هذا العبد أضافه الله إلى ذاته، تحببا لعباده، تسلية وطمأنة لهم وإكراما منه نسبهم إلى ذاته (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) فزينتهم بنسبتهم إلى ربهم وقبحهم لا يعقل أن يغلب نسبتهم إلى ربهم، لذلك حينما يقول لك الله عز وجل: (قل يا عبادي) يجب أن تفتخر يجب أن تطير إلى السماء حبا به وإقبالا عليه.
والشيء الآخر الذي يلفت النظر في الآية: (قل يا عبادي الذين أسرفوا) لم يقل: في معصية ربهم لا، بل قال: أسرفوا على أنفسهم أي: هذه المعاصي ما ضروا بها أحداً، بل ضروا بها أنفسهم، وذات الله منزهة عن كل أذى.
"يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا" [رواه مسلم].
فـ (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) لا على الله عز وجل، ذات الله منزهة، (لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً) دقق في الآية (إنه هو الغفور الرحيم)، أي: هو الغفور إن أذنبت أو لم تذنب، هو الغفور دون أن تذنب ولو أنك أذنبت فهذه هي صفته الثابتة هذه صفته القديمة والسرمدية والأبدية، قال العلماء: وأما قوله تعالى: }نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{[الحجر: 49].
فقد روي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم وهم يضحكون فقال تضحكون وذكر الجنة والنار بين أظهركم، قال فما رئي أحد منهم ضاحكا حتى مات قال: وفيهم نزلت: (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم).
لن يكون الإنسان في حالة نفسية سوية إلا إذا جمعت بين الخوف والرجاء، فإذا غلب الخوف فهي حالة مرضية وإذا غلب الرجاء فهي حالة مرضية فلاحظ نفسك ووازن بين الحالتين، يوجد في الدم هرمون التجلط وهرمون التميع إذا غلب هرمون التجلط رأيت الدم كالوحل في الأوردة والشرايين فيموت الإنسان فورا، وإذا غلب هرمون التميع سال الدم كله من ثقب صغير، في كلا الحالين فالإنسان ميت ولا بد من التوازن الدقيق بين التجلط وبين التميع، وبعلاقتك مع الله عز وجل يجب أن يكون هناك توازن دقيق جدا بين الرجاء والخوف، فأكثر الناس يقول: لا تدقق فالله غفور رحيم، وهذا رجاء أبله، لو قرأت القرآن لوجدت أن الله سبحانه وتعالى يقول كثيراً: }ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوامِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ{[النحل: 119]،إذا راجعت القرآن الكريم ودققت فالآيات التي وردت بموضوع المغفرة آيات كثيرة:
}وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواإِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ{[الأعراف: 153].
فالتفاؤل والرجاء دون توبة ودون استقامة تفاؤل أبله أحمق، والخوف إلى درجة الانسحاق واليأس من رحمة الله هذا يأس قاتل، ولن تسعد مع الله عز وجل إلا إذا جمعت بين الخوف والرجاء قال تعالى:
}فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباًوَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ{[الأنبياء: 90].
(قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُتَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَالشَّاكِرِينَ{[الأنعام: 63].
قال تعالى: نبئ يا محمد: (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم).
قبل العباد جاءت شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد العباد جاءت رحمة الله تعالى، والعبد بين شفاعة وبين رحمة، هذا من باب التطمين، ويقال: أن أحد الخلفاء دخل عليه ولد ابنه وولد ابنته فقال لهما: أنتما ابنا من؟ فانتسب ابن بنته إلى أبيه وانتسب ابن ابنه إليه، هكذا يروى، وليس هذا الموقف كاملا، ملأ حجر ابن ابنه بالجواهر، وملأ حجر ابن ابنته بالسكاكر، لأنه انتسب إليه، مغزى الخبر أن الإنسان إذا قال: يا رب أنت ربي لا إله إلا أنت يا رب ليس لي أحد سواك، فانتسابك يرفعك عند الله عز وجل وربنا عز وجل أكرمك بهذا النسب فقال: (قل يا عبادي) فالذي يقرأ القرآن يجب أن يتذوق كيف أن الله سبحانه وتعالى نسب العباد إلى ذاته، ومما يزيد الآية روعة ما يوجد فيها أيضا من تكرار للضمائر قال تعالى: (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم).
في الآية تكرار، بـ أنا ، إني أنا، الياء ضمير متصل، والمتصل بأني هو نفسه أنا، أني أنا، لماذا التكرار؟ للطمأنة، (إني أنا الغفور الرحيم).
بعضهم قال: (غافر الذنب) يمحو هذه السيئة من دفتر أعمالك، وأما الغفور فيمسحها عند الملائكة، وأما الغفار فينسيك هذا الذنب، فإما أن تمحى من دفترك، وإما أن ينساها الملك، وإما أن تنساها أنت، هذا منتهى الكرم، أن تأتي يوم القيامة وليس لك جاهلية، وليس لك ذنب، كمال في كمال، لذلك تسعد في جنة الله التي عرضها السموات والأرض إلى أبد الآبدين.
إذا تاب الإنسان في سن مبكرة هذا رائع جداً، ولكن إذا عرف الله في سن متأخرة فلا مانع، فضل الله كبير، وكأن الله عز وجل يقول للعبد إذا تقدم سنه: "عبدي كبرت سنك، وانحنى ظهرك، وضعف بصرك، وشاب شعرك، فاستحِ مني فأنا أستحِي منك".
روي "أن الله تعالى يحب أبناء السبعين ويستحي من أبناء الثمانين".
وروي أنه "ما من شيء أحب إلى الله من شاب تائب وما من شيء أبغض إلى الله تعالى من شيخ مقيم على معاصيه".
والحكاية التي أرددها كثيراً ولا أنساها، أحد شيوخ الأزهر الكبار رأى خطيب مسجد شاباً فتمنى أن يكون مثله، والرجل عمره آن ذاك خمسة وخمسون عاما، رجل من صعيد مصر أمي لا يقرأ ولا يكتب، لكن لا تنسوا أن مراتب الله العليا لا لمن سبق، ولكن لمن صدق، فساق دابته إلى القاهرة، وسأل عن الأزعر، وهو يقصد الأزهر، فالذي سأله رجل صالح قال له: يا أخي اسمه جامع الأزهر، وليس جامع الأزعر، فتح الله عليك فتوح العارفين، وهذه الحكاية سمعتها من أحد العلماء، ثم قرأتها في كتاب وهي ثابتة، وتكاد لا تصدق، هذا الإنسان الأمي الصعيدي الجاهل الذي تمنى على الله أن يكون عالماً وشيخاً جليلاً، وساق حماره إلى الأزعر!! وصوبه له ذاك البائع، توجه إلى هذا المسجد، وتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن، وما زال يتقلب في مراتب العلم حتى عاش ستة وتسعين عاماً، ولم يمت إلا وهو شيخ الأزهر، ففي الخامسة والخمسين تاب هذا العبد إلى الله وهو في سن الشيخوخة، فإذا ناجى ربه كان يقول: يا رب لقد أبطأت في المجيء إليك، تأخرت كثيراً .....
وإذا تاب المرء، وذاق طعم التوبة يقول لك: قلبي يتلظى حرقة، كيف أمضيت هذا العمر في معصية الله عز وجل، بعد أن ذاق طعم الطهر، طعم القرب، طعم الإقبال على الله، طعم العمل الصالح، طعم العلم، طعم الشرف يقول: يا ليتني عرفت الله قبل هذه السن، في المناجاة كان يقول: يا رب لقد أبطأت في المجيء إليك، فوقع في قلبه أن يا عبدي لا تقل هكذا، إنما أبطأ في المجيء إلي من مات ولم يتب، ما دام قد بقي يوم واحد فإنك تستطيع التوبة، ما دام القلب ينبض فالأمل كبير، كلما بكرت كان أفضل لكن إنما أبطأ في المجيء إلي من مات ولم يتب.
وبعد، فنحن كوننا عبيدا ما علاقتنا بهذا الاسم؟ الله غفار؟ وأنت أيها الإنسان.... ألا تنسى أخطاء الآخرين؟ ألا تغفرها؟
قال العلماء: حظ المؤمن من اسم الغفار أن يستر من غيره ما يستره الله منه، أدق حق يعنيك من اسم الغفار أن تستر من إخوانك المؤمنين وغير المؤمنين ما ستره الله منك.
أتى عمر -رضي الله عنه- رجل فقال: إن ابنة لي كنت وأدتها في الجاهلية فاستخرجناها قبل أن تموت فأدركت معنى الإسلام فأسلمت ثم أصابها حد من حدود الله فأخذت الشفرة لتذبح نفسها وأدركناها وقد قطعت بعض أدواجها فداويتها حتى برأت، ثم أقبلت بعد توبة حسنة وهي تخطب إلى قوم أفأخبرهم بالذي كان؟ فقال عمر -رضي الله عنه-: أتعمد إلى ما ستره الله فتبديه، والله لئن أخبرت بشأنها أحدا لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة.
فأنت بوصفك مؤمنا لك أخ صديق زلت قدمه، وقع في معصية، وعلمتها أنت فلا ينبغي أن تذكرها لأحد إذا كنت مؤمناً، وعرفت اسم الغفار، كما أن الله غفر لك وتاب عليك يجب أن تغفر لإخوانك وأن تستر ذنوبهم، وما يعرفه كثير من المسلمين أن: "الذنب شؤم على غير صاحبه، إن عيره ابتلي به، وإن اغتابه أثم، وإن رضي به شاركه".
لك أخ وقع في ذنب إن تكلمت عن ذنبه فقد اغتبته، وإن عيرته ابتليت به، وإن رضيت منه هذا الذنب شاركته في الإثم، إذا أحدنا بلغه أن أخاه أكل مالاً حراماً فيكفي أن يقول: "جيد ما فعل، استطاع أن ييسر معيشته" فهو بهذه الكلمات يأثم معه، فثناؤه على معصيته، واستحسانه لعمله مشاركة في الإثم، واحتقاره بقوله: كيف فعل هذا؟ سوف يبتلى بهذا الذنب لأنه عيره به، وذكر معصيته للناس استغابة له، هذا كله على من لم يفعل الذنب فكيف بالذي فعل الذنب؟
فمن تغافل عن المقابح وذكر المحاسن فهو ذو نصيب عظيم من الفضل، عوّد نفسك أن تكون إيجابيا، عوّد نفسك أن تذكر في الناس النواحي الإيجابية والمحاسن، في تعاملك مع الناس تغافل عن عيوبهم وأبرز محاسنهم، يحبوك ومن الناس من يتغافل عن المحاسن كلها.
"اللهم! إني أعوذ بك من جار سوء إن رأى خيرا كتمه، وإن رأى شراً أذاعه، اللهم إني أعوذ بك من إمام سوء، إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر".
من أقبح تصرفات الإنسان أن يستر الجميل، ويذكر القبيح، وأن يستر المحاسن، ويظهر القبائح، أما المؤمن فإنه يتغافل عن القبائح، ويبرز المحاسن، والعرب تقول: الشرف معوان.
لك ابن تعرفه صادقاً أثنِ على صدقه، من الآباء من يبحث عن الغلط في ابنه ويقول: أنت كذا وأنت كذا، دوماً يزرع اليأس في ابنه، ألا يحمل ابنك أية ميزة،
سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا ينجي العبد من النار قال:
الإيمان بالله، قلت: يا نبي الله! مع الإيمان عمل؟ قال أن ترضخ مما خولك الله وترضخ مما رزقك الله، قلت: يا نبي الله! فإن كان فقيرا لا يجد ما يرضخ؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قلت: إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر قال: فليعن الأخرق، قلت: يا رسول الله! أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع؟ قال: فليعن مظلوما، قلت: يا نبي الله! أرأيت إن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مظلوما، قال: ما تريد أن تترك لصاحبك من خير؟ ليمسك أذاه عن الناس قلت: يا رسول الله! أرأيت إن فعل هذا يدخله الجنة؟ قال: ما من عبد مؤمن يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة.
ليس من إنسان كله مساوئ ولا ميزة له، عندك موظف مقصر لكنه أمين ، قل له: أنا مسرور من أمانتك، شخص دخل على النبي عليه الصلاة والسلام، دخل المسجد ليلحق ركعة مع رسول الله فركض، وأحدث ضجة وجلبة وصخباً وضجيجاً، وشوش على الصحابة صلاتهم فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ماذا فعل؟:
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ ثم مشى إلى الصف فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ".
[صحيح البخاري].
كان أحد أمراء الأندلس شاعرا، قال ذات مرة، وهو في حديقة قصره: "نثر الريح على الماء زرد" ولم يتمكن من إكمال البيت، وراءه جارية قالت له: "يا له درعا منيعا لو جمد" أعجب بذكائها وشاعريتها فتزوجها، ثم أصبح هذا الإنسان ملكاً من ملوك الأندلس، وهو ابن عباد تزوجها، وعاش معها حياة ناعمة، اشتهت مرة حياة الفقر فأرادت أن تسير في الطين فجاء بالمسك والكافور، فجبلهما بماء الورد وقال: هذا طين امش عليه، ثم جاء ابن تاشفين من إفريقية وحارب ملوك الطوائف وقضى عليهم، وأودعهم في السجن، وساءت حاله، وله قصيدة تبكي كل الإنسان، النتيجة قالت هذه الجارية التي أصبحت ملكة وأكرمها إكراما ما بعده إكرام قالت له مرة: ما رأيت منك خيراً قط، فأجابها: ولا يوم الطين؟!
لك زوجة لا تكثر من ملامتها، عندك ابن لا تكثر من ملامته وذمه، ألا يحمل أية ميزة؟ لقد حطمته، هذه الزوجة ألا تحمل أية ميزة أليست شريفة؟ إذا ذهبت إلى عملك ألست مطمئنا لعفتها وشرفها، فالإنسان المؤمن لا يغفل عن ميزات الناس، النبي الكريم رأى صهره مع الأسرى، أتى ليقاتل رسول الله يوم بدر، فهو صهره زوج ابنته، لم ينسَ أنه صهر ممتاز فقال: "والله ما ذممناه صهرا". وأمر بفك أسره.
أرقى شيء في صفات الإنسان أن يكون منصفاً، حولك زوجة، أولاد، إخوان، أصحاب، وجيران، وأتباع، وموظفون، أنت تعلم ميزاتهم صراحة، وتعرفها حق المعرفة اذكرها لهم من حين لآخر، يحبونك جميعا، عندئذٍ يتقبلون منك أية ملاحظة وأي نقد، قال له صلى الله عليه وسلم: "زادك الله حرصا ولا تعد".
أنت كونك مؤمنا يجب أن تظهر الجميل، وأن تستر القبيح، أما تصيّد الأخطاء وتصيُّد العيوب فليس هذا من أخلاق المؤمنين، بل هذا من أخلاق أهل الدنيا.
يروى أن سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام مر بجيفة كلب ولا أعتقد أن في الأرض أبشع لا في المنظر ولا في الرائحة من الجيفة، فقال الحواريون: ما أنتن ريحها! فقال عليه الصلاة والسلام: بل قولوا: ما أشد بياض أسنانها! ألم أقل لكم أحسنوا المحضر! لعل مغزى هذا الخبر: لن تكون أباً ناجحاً، ولا معلماً ناجحاً، ولا داعيا ناجحاً، ولا تاجراً ناجحاً، ولا مدير معمل ناجحاً، ولا مدير مستشفى ناجحاً، إلا إذا عرفت ميزات الذين حولك، ذكرتها وقدرتها، وبعدئذ وجه لهم ما شئت من النصائح فيقبلونها منك، أما إذا غفلت عن ميزاتهم، وتتبعت أخطاءهم فهذا مما يبعدهم عنك وينفرهم منك.
على كلٍ هذا ما استطعت بيانه حول هذا الاسم من أسماء الله الحسنى، وأسأل الله التوفيق دائما، وكما يعلم القارئ الكريم: لا يعرف الله إلا الله، وقد ذكرنا بعض الآيات والأحاديث التي وردت حول اسم الغفار، ويجب أن يدفعنا اسم الغفار جميعا إلى طلب المغفرة من الله عز وجل على الدوام.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، ولقد كان هذا الدعاء من أحب الأدعية إلى النبي عليه الصلاة والسلام فلنكثر منه الحين بعد الحين.

من ومسوعة النابلسيش

__________________
رد مع اقتباس
 
  #13  
قديم 16-06-2010, 00:12
الصورة الرمزية اسامة بن زيد
اسامة بن زيد اسامة بن زيد متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 555
افتراضي


يرفع

__________________
رد مع اقتباس
 
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

 
 


بحث عن:  

[ sitemap.php ] [ sitemap.html ] [ sitemap.xml ] [ sitemap.txt ]

جميع الأوقات بتوقيت GMT +4. الساعة الآن 20:48.
Powered by vBulletin
Copyright ©2006 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
الاتصال بنا - الصراط - الأرشيف - الأعلى