ثانياً: أين تقام
ذكرنا في الصفحات السابقة الشرط الأول وهو الوقت وما يتعلق به من أنواع أوقات صلاةِ الجمعة وقصة أذان عثمان وسنة الجمعة القبليَّة.
1- أين تقام
جميع الأمكنة صالحة لتأديةِ هذه الفريضة مثل القرى والبوادي والمصايف فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال "أنهم كتبوا إلى عمر رضي الله عنه يسألونه عنِ الجمعةِ فكتب جمِّعوا حيثما كنتم[ [1]".
ثالثا: وقوعها جماعة
لا بد أن تقام جماعةً وذلك استناداً إلى حديث طارق بن شهاب المتقدم.
رابعاً: العدد المصَّرح به
تَصحُّ بأيِّ عدد, فإذا لم يكن في المكان إلا رجلان فقام أحدهما وخطب واستمع له الآخر صحَّتِ الصلاة. أما توفر عدد أربعين رجلاً فلا يوجد عليه دليلٌ من السنة.
مع أنَّهُ قد جاءت نصوص صحيحة بالعدد ولكنَّها عن الصحابة وتُحْمَلْ على أنها حادثة عين لا عموم لها [2].
بل إن هناك ما ينفي عدد الأربعين وهو ما ورواه الإمام أحمد في مسنده في سبب نزول آية} وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضُّوا إليها وتركوك قائماً...{ [3] .
وجاء في سبب النزول عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "قَدِمَتْ عيرٌ حرَّة المدينة ورسول الله يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلاً فنزلت الآية. وقد كان من بين الثني عشر رجلاً الذين بقوا مع رسول الله (ص) أبو بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين[, [4]".
فلو كان العدد أربعين شرطاً لم يكمل رسول الله (ص) الخطبة ثم صلى بالناس أو حتى على الأقل رُوي عنه في هذه الخطبة اشتراطه أربعين رجلاً مع التنبيه على ما يلي:
أ. كل الأحاديث التي رويت لاشتراط عدد الأربعين كلها ضعيفة كما قال ابن حجر والدارقطني والبيهقي.
ب. قد جاءت نصوص صحيحة بالعدد لكنَّها عن الصحابة وتُحْمَل على أنَّها حادثة عين لا عموم لها.
مسألة: تعدد الجُمَعْ في البلد الواحد
صلاة الجمعة صلاةٌ من الصلوات, يجوز أن تقام في وقتٍ واحد جُمَعٌ متعددة في مِصْرٍ واحد, كما تقام جماعات كسائر الصلوات في البلد الواحد, ومن زعم خلاف هذا, كان مستندُ زَعْمِهِ مجَرَّد الرأي, وليس ذلك بحجَّة على أحد ولكن من المعلوم أن النبي (ص) فرق عملياً بين صلاة الجمعة والصلوات الخمس, فإنَّه ثبت أنه كان في المدينة عدة مساجد تقام فيها صلاةِ الجماعة, ومن الأدلة على ذلك أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي صلاةِ العشاء وراء النبي (ص), ثم يذهب إلى قومه فيصلي فيهم صلاةِ العشاء إماماً, وهي له تطوع, ولهم فريضة, وأما صلاةِ الجمعة في المدينة لم تكن تتعد, بل كان أهل المساجد الأخرى كلهم يأتون إلى مسجده (ص) فيجمِّعون فيه, فهذا التفريق منه (ص) بين الجماعة والجمعة لم يكن عبثاً, فلا بد إذن من النظر إليه بعين الاعتبار, فإنه على الأقل يدل على أن تعدد الجمعة بدون ضرورة خلاف السنةَّ. وإذا كان الأمر كذلك, فينبغي الحيلولة دون تكثير الجمع, والحرص على توحيدها ما أمكن, اتباعاً للنبي (ص) وأصحابه من بعده وبذلك تتحقق الحكمة من مشروعَّيةِ صلاة الجمعة وفوائدها أتم تحقُّقْ, ويقضي على التفرق الحاصِلْ بسبب إقامتها في كل المساجد, كبيرها وصغيرها, وحتى إن بعضها ليكاد أن يكون مثلاً صفاً واحداً في بعض البلاد, الأمر الذي لا يمكن أن يقول بجوازه من شَمَّ رائحةِ الفقه الصحيح [5].
خامساً: أن تسبق بخطبتين
أ. حكم الخطبتين:
إن استحضار فعل النبي (ص)- ولا سيِّما الذي استمر عليه- إذا كان صدر بياناً لأمر قرآني أو نبوي فهو دليل على وجوب هذا الفعل وتوضيحاً لهذا الأمر يمكن إجمال أدلَّة وجوب الخطبة بما يلي:
1. روى الشيخان أن رسول الله (ص) لم يصلِّ إلا بخطبتين سابقتين لها.
2. تواتر عمل الصحابة والأئمة من بعدهم على أداء الخطبتين قبل الصلاة.
3. تحريم البيع بعد النداء الثاني (الأذان الأصلي) حيث أنه ليس بعده إلا الخطبة مباشرة ولولا وجوب الخطبة لما حرِّم البيع مع التنبيه على أن البيع لو عقد لصح ووقع البيع لأن وقت البيع هو الذي حرِّم ويأثم البائع والمشتري.
4. تحريم الكلام والإمام يخطب وذلك لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: "إذا قلت لصاحبك يومَ الجمعة: أنصِتْ, والإمام يخطب, فقد لغوتَ , [6]".
5. يقول الطبري في تفسيره:} فاسعَوا إلى ذكر الله{ بأن الذكر هنا هو خطبةِ الجمعة [7].
ب- شروط الخطبتين
1. دخول الوقت: ويتم ذلك – بالأذان الثاني- راجع فصل وقت صلاة الجمعة.
2. القيام مع القدرة والفصل بينهما بجلسة يسيرة, وذلك لما رواه مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) كان يخطب الناس قائماً ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائماً. فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كَذِب, فقد صليت معه أكثر من ألفي صلاة[ [8]".
3. أن يخطب وهو طاهِرْ حيث ان النبي (ص) كان يخطب وهو طاهِرْ.
ج. صفة خطبة الرسول (ص)
ذكر العلامة صديق حسن خان وصفاً لهذه الخطبة فقال رحمه الله "اعلم أن الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده الرسول (ص) من ترغيب الناس وترهيبهم, فهذا في الحقيقة هي روح الخطبة الذي من اجله شُرِعَتْ, أما اشتراط الحمد لله, أو الصلاة على رسول الله أو قراءة شئ من القرآن, فجميعه خارج عن معظم المقصود من شرعيَّة الخطبة, واتفاق مثل ذلك في خطبه (ص), لا يدل على أنَّه مقصودٌ متحتِّم,وشرطٌ لازم, ولا يشك منصفٌ أن معظم المقصود هو الوعظ دون ما يقع قبله من الحمد لله والصلاةُ عليه (ص), وقد كان عُرْفُ العربِ المستمِر أن أحدهم إذا أراد أن يقوم مقاماً ويقول مقالاً, شرع بالثناء على الله والصلاةِ والسلام على رسوله وما أحسن هذا وأولاده, ولكن ليس هذا هو المقصود, بل المقصود ما بعده [9].
ومن خلال مراجعة وتدارس خطب الرسول (ص) نجد أنها تتميَّز بما يلي:
1. تبدأ بالحمد والثناء على الله كما في قوله".. إن الحمد لله نحمده ونستعينه.." ثم يذكر الشهادتين ويكمل بقيَّة خطبةِ الحاجة والتي أصبحت تقال عند عقد القران فقط, مع أن رسول الله (ص) كان يستفتِحُ بها معظم خطبه.
2. كان يعلو صوته أثناء الخطبة ويَحْمَرْ وَجْهَهُ وكأنَّه مُنْذِر جيشٍ يقول صبَّحكُم ومسَّاكم أي أنَّهُ عليه السلام كان ينفعل ويتأثر بالخطبة.
3. كان رسول الله (ص) يعلِّم أصحابه من خلالها قواعِدْ الدين وشرائعه.
4. كان إذا رأى أمراً ينهي عنه أو يأمُرْ به كما سيمر بنا في توضيح بعض المسائل التي قد تحدث أثناء الخطبة من الخطيب أو المستَمِعْ.
5. وعلى كلِّ من تأسَّى برسولِ الله (ص) وَعقِل معنى أنَّ محمداَ عليه الصلاة والسلام هو رسول الله الذي لا بد أن يُتابًعْ في صلاتِه لقوله عليه السلام "صلُّوا كما رأيتموني أصلي ' [10]".
وأن الحفاظ على طريقة الرسول (ص) في الخطبة هي من قبيل متابعتِه (ص) في الصلاة.
د. قصر الخطبة وإطالة الصلاة
فعن عمار بن ياسر قال: سمعتُ رسول الله يقول: "إن طول صلاةِ الرجل, وقصر خطبته, مئنَّةٍ من فقهه [11]". أي يُعْرَفُ به فقه الرجل, وإنما كان قصر الخطبة علامة على ذلك, لأنَّ الفقيه هو المطلِّع على حقائق المعاني وجوامع الألفاظ. ولذلك كان من تمام رواية هذا الحديث "فأطيلوا الصلاة, وأقصروا الخطبة,وإن من البيان لسحراً" والمراد من طول الصلاة: الطول الذي لا يُدْخِل صاحبه أو فاعِلًهُ تحت النهي, وقد كان (ص) يصلي الجمعة بـ"الجمعة" و"المنافقين" كما عند مسلم وغيره "كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ } سبح اسم ربك الأعلى{ و} هل أتاك حديثُ الغاشية{ وليس هو بالطول المنهي عنه.
, [1] رواه ابن أبي شيبة وانظر فتح الباري 4/380 سنده صحيح
[2] راجع إرواء الغليل مجلد 3 ص66-67
[3] سورة الجمعة الآية (11)
, [4] أنظر الصحيح السند في أسباب النزول للوادعي/ تفسير سورة الجمعة
[5] راجع باختصار الأجوبة النافعة/ المعلق ص80- 82
[6] رواه البخاري ومسلم أنظر صحيح الترغيب والترهيب حديث 715
[7] راجع تفسير الطبري طبعة دار المعارف ص384 مجلد23
[8] مختصر صحيح مسلم حديث رقم 416
[9] أنظر الروضة النديَّة ص137
[10] رواه البخاري ومسلم أنظر فتح الباري 2/631
[11] رواه مسلم مختصر صحيح مسلم 411 وصحيح مسلم 3/12